أحمد بن علي القلقشندي
525
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
من وراء تلك الحمرة برق ساطع . فصار كلما لمع البرق داخل تلك الحمرة يخال الناظر أنها نار لا محالة حتّى داخلني منه أنه عذاب قد صبّ على الناس ، ثم انقشع بعد العشاء بقليل فلذلك لم يننبه له أهل مصر . وبالجملة فوقائع الدهر وعجائبه أكثر من أن تحصر ، ولا يحتمل هذا الموضع أكثر من هذا القدر . واللَّيالي كما علمت حبالى مقربات يلدن كلّ عجيب المقصد الثاني في بيان وجه استعمال الكاتب ذلك في خلال كلامه لا يخفى أن الكاتب إذا عرف أحوال المتقدّمين وسيرهم ، وأخبارهم ، ومن برع منهم ، صار عنده علم بما لعله يسأل عنه ، واعتداد لما يرد عليه من ذكر واقعة بعينها أو يحتجّ عليه به من صورة قديمة : ليكون على يقين منها ، مع ما يحتاج إلى إيراده في خلال مكاتباته ورسائله : من ذكر من حسن الاحتجاج بذكره في أمر من الأمور أو حالة من الحالات ، كما كتب به البديع الهمذانيّ إلى أبي الحسين بن فارس ( 1 ) وقد بلغه أنه ذكر في مجلسه فقال : إن البديع قد نسي حق تعليمنا إياه ، وعقّنا ، وشمخ بأنفه عنا ، والحمد للَّه على فساد الزمان ، وتغير نوع الإنسان ؛ فكتب إليه : « نعم أطال اللَّه بقاء الشيخ الإمام ، إنه الحمأ المسنون ، وإن ظنّت الظنون ، والناس لآدم ، وإن كان العهد قد تقادم ، وارتكبت الأضداد ، واختلط الميلاد . والشيخ يقول فسد الزمان ، أفلا يقول متى كان صالحا ؟ أفي الدولة العباسية ، وقد رأينا آخرها وسمعنا أوّلها ؟ أم المدّة المروانية ، وفي أخبارها » لا
--> ( 1 ) هو أحمد بن فارس بن زكريا ، اللغويّ المشهور ، صاحب معجم مقاييس اللغة .